مقال
نشوى سلامة
نشوى سلامة ✦ كاتبة موثقة من منصة حروف
شريكة رسمية في المنصة
صحفية ومحررة | أغسطس ٢٠٢٦
... ...
سلسلة روزاليوسف · ١٩ من ٢٠

أبيض وأسود

كانوا سويا كتفا الى كتف، متلاحمين، يناصر كل منهم الآخر ، ينادون سويا ضد الظلم والتهميش، يهتفون سويا بإسقاط نظاما قهرهم، وبدد سنوات عمرهم بين تعليم جاهل وصحة عرجاء وطموهات بلهاء، وكانت دوافعهم تتفق مع شعاراتهم، بالرغم من إختلاف إنتمائاتهم السياسية والدينية، ولم نسمع بأن هذا مسيحى وذاك مسلم ، ولكن المشهد كان يصورجسدا واحدا مصريا ،تظهربين ثنيات جلده آثاركفاح سنوات مضت، وتحمل ملامح وجهه وتطلعات عينيه آمال سنوات قادمة ،علها تحمل له وللأجيال بعده الخير الذى يتمنون.

ولم يكن هذا التلاحم صنيعة يوما أو لغرض مستتر، أو فكرة جديدة ، بل كان هو الإنعكاس الحقيقى للنسيج الوطنى المصرى الذى تربينا عليه، وألفناه ولم نفكر أن نجتزأ منه قصاقيص لنتفرد بها صانعين أشكالا أخرى للوطن الذى أصبحنا الآن لا نعرفه ، وربما بالفعل لم نكن أبدا لنعرفه حق معرفه وكان تحت النسيج خيوطا معقدة  غير قابلة للغزل إشتبكت وتوغلت فى النسيج الأصلى فأفسدت الشكل والمتن وأصبحنا ملتبسين فى أمورنا لا نعرف شكلا واضحا لأنفسنا نحن المصريون الركيزة الأساسية لهذا للنسيج .

وبدا واضحا أن الحركة الوطنية المصرية إستعادت شبابها، وإستحضرت أمجادها  وقت رأينا حركة تجميع التوكيلات من الشعب الذى يحلم بالتغيير ، وشارك فى ذلك أطيافا كثيرة  تحت لواء واحد بإسم الجمعية الوطنية للتغيير التى رأسها " البرادعى"، وكان للإخوان دورا كبيرا فى تجميع أكبر عددا من التوكيلات لما لهم من سيطرة على أقاصى البلاد وفقرائها ، وربما لأنهم جماعة تعرف أفرادها ولها عليهم الكلمة العليا، ولا يسمح لمن بداخلها مخالفة الرأى فيما يفرض عليهم تبعا لمبدأ " السمع والطاعة".

وتم تجميع أكثر من ثمنمائة ألف توقيعا فى حوالى عشرة شهور، وكانت فرحة عارمة وإنتصارا عظيما لأن يتوحد الصف بين الليبرالى والعلمانى  والناصرى والإخوانى والرأسمالى ومن لا يحمل أى توجه سياسى وكل من يشعر بالظلم ، وينشد التغيير، ولاقت الحركة إستهجانا من القائمين على الحكم وقتذاك وتربصا بقياداتها وتم إتهامهم بالعملاء الممولين وأنهم أدوات تنفيذ خطط خارجية لزعزعة إستقرار البلاد وهدم مؤسساتها ونقد سياسات الحاكم فقط للإستيلاء على السلطة وليس وفقا لما تنادى به الحركة من تغييرات جذرية تحقق العدالة.

وما أشبه الليلة بالبارحة حينما نشاهد نفس الفيلم مع تغيير الإسم ، أصبح التمرد هو الشعار الجديد وليس التغيير ربما لأننا يأسنا من التغيير ، فبعد أكثر من عامين على خروج الشعب بكل أطيافه تعبيرا عن الغضب والرفض ، لم نلمس أى تغييرعلى يد من كان ينادى معنا بالتغيير ، وكما كان التربص بالماضى وقت كان النسيج المصرى تتنوع ألوانه، أصبح  التربص بحركة " تمرد" ، ولكن مع فارق ، فقد تمزق النسيج وتلاشت ألوانه ولم يتبق إلا الأبيض والأسود برمزيهما الثابت الصريح ، وأصبح الناس كالحيوانات لا ترى إلا هذين اللونين وعليه تستطيع أن تميز الأشياء وتتعامل معها.

وتم تصنيف كل شىء طبقا لرؤية الحيوانات ، ولاقت هذه الرؤية إستحسانا ولاقت الحركة إستهجانا ، وعلية فكل من يتبع التمرد  هو أسود، كافر، داعر ، عميل ، ممول ، والكثير من الوصف العار على صاحبة، وكل من ضد التمرد هو أبيض، مدافعا عن الشرعية، مسلما حق، يهدف المشروع اإسلامى، نقى القلب، غير سلطوى ، غير متسلق ، والكثير من صفات أصحاب الأيادى البيضاء وكأنهم يصفون ملائكة هبطت لتجلس معنا على الأرض.

بهذه السرعة نسى هؤلاء نصرة الشعب وإجتمعوا حول نصرة الحاكم، و تضاربت تصريحاتهم  مرة أخرى ، نسيوا أن الظلم الذى تم إزاحته عن كاهلهم ألقوه على أجساد غيرهم، نسيوا كل شىء فيما عدا أنهم وحدهم على حق "أبيض" وأن من يخالفهم  على باطل  " أسود"، وكلما زادت الحركة قوة وعددا كلما إزدادت التصريحات إرتباكا، وحملت بين كلماتها تهديدات وإستفزازات فى محاولة إصطياد الشعب فى معارك جانبية ترهقه وتلهيه عن عزمه ، أ و نجد طرقا لكل الأبواب تحت مصطلح المصالحة الوطنية ، أى مصالحة هذه ،وأين هى الوطنية.

وهنا تتضح الصورة تماما، ويتميز فيها الأبيض عن الأسود بحق، فلم يكن الشعب الذى تريدون مصالحته وإستمالته وخداعه مره بعد أخرى ، هو من شوه ألوان النسيج الوطنى، لم يقصى أحد، ولم يستأثر بسلطه، ولم يقذف بألوان أحلامه فى الهواء لتتحول الى سراب ،ولم تعد هذه الأساليب التى تروجونها تحظى بأى رد فعل لديه، لم يعد يخشى شىء بعد أن فقد معكم كل شىء، وقد أصبحنا جميعا نعلم علم اليقين ، أن الخائف الضعيف هو وحده الذى يبحث عن وسائل إرباك وتخويف غيره من مجهول مزعوم ، وكما الفرق بين الأبيض والأسود أصبحنا على يقين.... أنكم بالفعل مرتعبون.