أشخاص نتعثر بهم، قد يكون القدر وضعهم فى طريقنا، أو قد يكون اختياراً سيئاً أخطأنا وقت تقريره. وهؤلاء الأشخاص إذا ما تحدثت معهم عن المبادئ تجدهم يرددون كلامك وكأنهم يحترمون قولك ويشيدون به، ويتحدثون معك عن نفسك وكأنك هالة نور لعقولهم، وكأن الحديث بينكم كالصالون الثقافى، وكأن لهم مبادئ هم الآخرون، ولكنهم لا مبادئ لهم؛ يعيشون كالطفيليات على غيرهم، يتنقلون ويفسدون، يستمعون كى يتكلموا عنك وعن غيرك فقط لكى يسخروا.
ويمضون وقتاً بل أوقاتاً، ويجدونك العجينة اللينة التى اختمرت كما يظنون، والتى يستطيعون أن يشققوا فيها كما يحلو لهم؛ لأن لهم عقولاً خَرِبة فارغة، لا يمتلكون من طيب الكلام ما يقولون. فهم يحرصون على مجالستك علّهم يخرجون منك بالجديد، فتستمر حياتهم وأحاديثهم دونما نظر لإفساد حياتك، ولا مراعاة لأسرارك أو أمورك الخاصة. تلك الطفيليات لن تستطيع نزعهم إلا بالخسارة، وللأسف تكون أنت الأكثر خسارة.
ولأنك لا تعرف حقيقة الأشخاص من حولك ولا يعلمها إلا الله، فأنت دائماً تسأل الله أن يدلّك على خير الناس وأن يقيك شرورهم. وفى أغلب الأحوال يبصّرك الله ببصيص نور، ويشير لك عقلك وهاجس بداخلك أن تتبعه، ويأبى قلبك النقى ذلك؛ وهنا يجب عليك أن تخالف هواك إذا ما تناقضت أمامك الأشياء وأُغشى على عينيك قليلاً، وتتبع إشارة عقلك. ونتيجة تسليمك التام إلى الله فى تبصيرك للأمور، تنكشف أمامك الأمور بوضوح ولا تخفق فتحزن، ويسيطر عليك ندمٌ شديد أنك كنت تشعر، وكان لديك مقدمات تدلل على الواقع، ولكنك لم تستفتِ قلبك جيداً.
ولأن الله يضع فى طريقنا مصابيح تنير لنا طرقاتنا، فحافظ على مصباحك واعتنِ به ولا تهجره. هكذا الحال مع الأصدقاء؛ منهم من يعززون خطواتك بنور قلوبهم الصادقة، ومنهم من يدفعونك على وجهك فتتعثر خطواتك وتنكسر قدماك وتضل طريقك، بظلام عقولهم الضحلة وسواد قلوبهم الآثمة التى لا تحمل إلا ضغائن وشروراً، ليس لك وحدك ولكن لكل من حولها؛ فهى قلوب ضعيفة مريضة بها عطب، وتريد أن تصيب من يقترب منها بذاك العطب. تلك الأشخاص كالأفاعى...
فكيف تأتمن تلك الأفعى على حياتك وهى من تبثّ سمها عندك تارة، وعند غيرك تارة، لتستطيع أن تحتل لنفسها مكاناً لدى الجميع؟ تخرج وتدخل عليهم فيرونها كما تريد هى، برأس واحدة، مخلوقاً كسائر المخلوقات، إذا ما اجتنبته فلن يطولك أذاه. لكن هيهات، فليست هذه حقيقتها؛ لأنه سرعان ما تطل عليك الرأس الأخرى، لترى ما لا تستطيع الأفعى نفسها أن تراه. فتعلم أنك لن تستطيع أن ترى من مكانك كل الزوايا طول الوقت، فهناك من يرى ما لا تراه، وهناك من يمتلك قدرات تفوق قدراتك، حتى لو كنت سريعاً ناعماً كالأفعى، وحتى وإن كنت تتسحب بين الناس كما تتسحب هى بين الشقوق. سيأتى حتماً وقت ليُجهز الجميع على رأسها ويحطمونها تحطيماً، فقد تجرّع الجميع منها قبل ذلك وأصبح لديهم مناعة امتزجت بالشراسة والغلظة فى الأداء، ما يمكنهم من إبادتها تماماً وليس تحطيم رأسها فقط. ويكون الخوف الآن متمثلاً فى الاقتراب منهم وليس منها كالسابق، فهل نفع الآن الأفعى سمها؟
عليك صديقى العزيز الاستغناء عن هذه النوعيات من الأشخاص، إن صحّ القول أنهم أشخاص. ولا تقل لنفسك إنه لا يمكن الاستغناء عن أحد، لأنها مجرد فترات فى حياتك، قدرية أو اختيارية كانت، والفترات تنقضى وسرعان ما تُنسى، وقد انقضى وقت هؤلاء لديك. فاحرص كل الحرص على حسن اختيارك فى كل مرة، ولا تتردد أبداً فى أن تعلن ما بقلبك تجاه الآخرين فى وجوههم؛ فخير من أن تكون حريصاً على أحد، كن حريصاً على نفسك أمام نفسك، ولا تتقبل الرماديات؛ فالأفاعى لا تستطيع العيش ولا بثّ سمها إلا فى الرماديات.