قاعدة العشر ثوان
نبذة عن الكتاب
قبل أن تبدأ العشر ثواني
تخيّل أنك في موقف عادي من مواقف الحياة.
كلمة قيلت أمامك، رسالة وصلت إلى هاتفك، موقف استفزك، شخص تجاوز حدودك، خبر لم تتوقعه، أو لحظة شعرت فيها أن عليك أن تفعل شيئًا الآن.
في تلك اللحظة قد تشعر أن جسدك سبق عقلك.
تتسارع ضربات قلبك، يتغير تنفسك، تتوتر عضلاتك، ترتفع حدة صوتك، وتتزاحم الأفكار في رأسك.
وقد يظهر داخلك صوت واضح يقول:
«رد الآن.»
«افعل شيئًا.»
«لا تسمح له.»
«يجب أن تنتقم.»
«اتخذ القرار فورًا.»
ثم تفعل...
وبعد دقائق، أو ساعات، أو ربما سنوات، تنظر إلى ما حدث وتتساءل:
لماذا فعلت ذلك؟
لم تكن تلك اللحظة بالضرورة تعبر عن حقيقتك، ولا عن قيمك، ولا عن الإنسان الذي تريد أن تكونه.
لقد كانت لحظة اندفاع.
والاندفاع ليس عيبًا في الإنسان، كما أن الانفعال ليس عدوًا يجب التخلص منه.
فالانفعال جزء أصيل من طبيعتنا؛ فهو ينبهنا، ويحذرنا، ويدفعنا إلى الحركة، ويساعدنا على الاستجابة للمواقف المختلفة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفعال من إشارة إلى قائد.
عندما يصبح الشعور هو الذي يتخذ القرار بدلًا منك.
كم من إنسان قال كلمة واحدة في لحظة غضب، ثم دفع ثمنها طويلًا؟
وكم من علاقة انتهت بسبب رد فعل لم يستغرق سوى لحظات؟
وكم من قرار اتُّخذ تحت ضغط الانفعال، ثم احتاج صاحبه إلى سنوات ليتعامل مع نتائجه؟
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى سنوات حتى تتغير حياته...
قد تكفي لحظة واحدة.
ومن هنا بدأت فكرة هذا الكتاب.
من خلال التعامل مع حالات مختلفة، وملاحظة ردود الأفعال والانفعالات، وكيف يمكن أن تتغير عندما يحصل الإنسان على مساحة صغيرة بين الشعور والفعل، بدأت أبحث عن طريقة عملية يستطيع الإنسان أن يتعلمها ويطبقها في حياته اليومية.
لم أكن أريد نظرية معقدة.
ولم أكن أريد كتابًا يخبرك فقط:
«اهدأ..
فالجملة سهلة...
لكن السؤال الحقيقي هو:
كيف أهدأ عندما أكون غاضبًا بالفعل؟
كيف أتوقف عندما أشعر أنني على وشك الرد؟
كيف أتعامل مع جسدي عندما يكون في حالة توتر؟
كيف أخرج من الوضع الذي يدفعني إلى الفعل التلقائي؟
وكيف أحوّل تلك الطاقة إلى شيء أكثر نفعًا؟
من هنا جاءت فكرة عشر ثوانٍ.
عشر ثوانٍ ليست سحرًا، وليست وعدًا بأن تختفي كل مشاعرك في لحظات، وليست علاجًا لكل اضطراب نفسي أو حالة مرضية.
إنها مساحة صغيرة نصنعها عمدًا بين المحفز والاستجابة.
مساحة تسمح لنا بأن نتوقف.
ثم نغيّر وضعنا.
ثم نمنح أجسادنا فرصة للاسترخاء.
ثم ننقل انتباهنا إلى نشاط آخر.
ثم نعود إلى الموقف ونحن أكثر قدرة على الاختيار.
قد تبدو عشر ثوانٍ شيئًا بسيطًا جدًا...
لكن الحياة نفسها تتكون من لحظات صغيرة.
قرار واحد قد يغير علاقة.
كلمة واحدة قد تنهي صداقة.
رد فعل واحد قد يصنع مشكلة تمتد سنوات.
وفي المقابل، قد تكون لحظة توقف واحدة هي الفاصل بين الندم والنجاة، بين الخلاف والتفاهم، بين القرار المتسرع والقرار الواعي.
ولهذا لا يقدم هذا الكتاب «العشر ثواني» باعتبارها رقمًا سحريًا، وإنما باعتبارها بوابة إلى مهارة أكبر:
مهارة التوقف قبل الاستجابة.
سنتعرف أولًا إلى ما يحدث داخل الإنسان أثناء الانفعال.
ماذا يحدث للدماغ؟
كيف يستجيب الجهاز العصبي؟
ولماذا نشعر أحيانًا أن أجسادنا تتحرك قبل أن نمنح عقولنا فرصة للتفكير؟
ثم سننتقل من المعرفة إلى الممارسة.
سنتعلم كيف نلاحظ اللحظة الأولى للاندفاع، وكيف نستخدم التوقف، وتغيير الوضعية، والاسترخاء، والنشاط البديل.
وسنكتشف أن السيطرة على الانفعال لا تعني أن نصبح أشخاصًا بلا مشاعر.
على العكس...
الهدف ليس أن نطفئ مشاعرنا، بل أن نتعلم كيف نمسك بزمامها.
فالغضب يمكن أن يخبرك أن هناك شيئًا تجاوز حدودك.
والخوف قد يخبرك أن هناك شيئًا يحتاج إلى انتباهك.
والحزن قد يكشف لك شيئًا مهمًا فقدته.
والقلق قد يشير إلى أمر يحتاج إلى تنظيم.
لكن الشعور يعطيك معلومة...
ولا ينبغي دائمًا أن يعطيك القرار.
هذا الكتاب موجه إلى الإنسان العادي الذي يريد أن يفهم نفسه أكثر، وإلى الممارس الذي يبحث عن أدوات عملية يمكن تطويرها واستخدامها، وإلى كل شخص مرّ بلحظة قال بعدها:
«ليتني انتظرت قليلًا قبل أن أفعل.»
لن نطلب منك أن تصبح إنسانًا مثاليًا.
لن يحدث ذلك.
ستغضب، وستحزن، وستتوتر، وستخطئ.
لكن ربما تتعلم شيئًا أهم:
أن يكون بين شعورك وفعلِك اختيار.
ففي تلك المسافة الصغيرة، تبدأ الحرية.
وربما تكون تلك الثواني القليلة هي البداية...
عشر ثوانٍ.
ليست زمنًا طويلًا.
لكنها قد تكون الزمن الذي تحتاجه...
لتعود إلى نفسك.
الدكتوره ليالي السيد