الضجيج لا يصنع دفئًا
الضجيج لا يصنع دفئًا
لماذا نشعرُ بالارتجافِ ونحنُ في قلبِ الزحام؟ ولماذا تبدو وجوهُ العابرين كأنها قِطعٌ من الجليد رغمَ حرارةِ الصيف؟ هذا الكتاب ليس مجرد رصٍّ للكلمات، بل هو رحلةٌ في «الأروقة» التي نخشى دخولها وحدنا. إنه محاولةٌ لفهم تلك الغصة التي تهاجمنا في قاعاتِ الاحتفالات، وذلك الشعور الغريب بأننا «زائدون عن الحاجة» في عالمٍ لا يتوقفُ عن الصراخ. لقد عشنا طويلاً نركضُ خلف الضجيج، ظناً منا أن كثرة الألسن ستمحو وحشة قلوبنا، وأن تلاحم الأجساد في الممرات سيحمي أرواحنا من البرد. لكننا، وبعد كل خيبة، نعودُ لغرفنا لندرك الحقيقة المرة: أنَّ الدفء بالناس وهمٌ يحترق سريعاً ويتركنا في عتمةٍ أشد. في صفحات هذا الكتاب ستمشي معي عبر أربعة أبواب: ستصطدم أولاً بـ برودة الوجوه والزحام، ثم ستغوص في أغوار الصمت والنداء الداخلي، وستتلمسُ بيدك ندوب الفقد والظلال، قبل أن نصل معاً إلى عتبة التصالح والضوء الأخير. أكتبُ هذه الخواطر لأولئك الذين تعبوا من التمثيل، وللذين يقدسون صمتهم كما يقدسون صلواتهم. أكتبُها لنذكر أنفسنا دائماً أنَّ الدفء الحقيقي لا يُستجدى من الحشود، بل يُصنع بصبرٍ في زوايا الروح الهادئة. أهلاً بكَ في رحلة البحث عن «أنت».. بعيداً عن صخبهم الذي لا ينتهي. وتذكر دائماً: الضجيجُ لا يصنعُ دفئاً.