منصة حروف صفحة الدار
غلاف غساق
رواية

غساق

بقلم نرمين عادل همام

رواية · العربية · 138 صفحة

نبذة عن الكتاب

منذ زمنٍ بعيد، قبل أن تُكتب الحكايات على الورق كانت هناك قصة تتكرر: امرأة من البشر، ورجلٌ ليس من عالمها. لا أحد يعرف أين بدأت ولا متى، لكنها تعود كل جيل، كأنها لعنة لا تعرف الرحمة. فهي ليست حكاية حبّ عادية، بل حضورٌ ظلّي، ارتباط لا يُفك، همسٌ وإحساسٌ بأن شيئًا ما يسكن الجسد حين يضعف القلب. كانت "وصال" طفلة جميلة بشكل يثير الغيرة، ناجحة بشكل يثير الحقد، وكان كل ما تمتلكه يدعو الأقارب لأن يلتفتوا إليها لا بإعجاب، بل بحذرٍ وكراهية. لم تكن تفهم سبب نظراتهم، ولا الهمسات التي تتغير حين تمر بينهم، ولا الضحكات التي تختفي فجأة إذا اقتربت. كبرت وهي تسمع الكلمات التي تُقال كالسكاكين: - "بتذاكري؟ إبقي قابلينا لو فلحتي؟ حلوة..! شوفي مين هيبصلك أصلًا، ما هو الحلاوة مش كل حاجة. أصلك مش ملحلحه، عبيطة ومش فاهمة الدنيا." وكانت لا تعرف أين الخطأ. لم تكن تخطئ، لكنها كانت تُعاقَب. كلما نجحت، اتسع الشر حولها. وكلما فرحت، جاء من يطفئ الفرح. من يحاول سرقة نجاحاتها حتى مع مرور العمر. من يحمل ضغينة لا تعرف لها سببًا: هل آراؤها التي تتفوه بها؟ هل أفكارها؟ كانت تشعر أنها غريبة عن كل البشر. كانوا يُظهرن الود أمام الناس، ثم يعضضنها في الخفاء بكلامٍ سامّ. العمّات وبناتهن يتغامزن عليها، حتى جدتها! التي المفروض أن تكون العون والسند. وعندما ارتمت في أحضان خالتها لم تجد إلا المقارنة: مالها ابنة خالتها؟ هل المفروض أن تفشل دراسيًا كما فشلن؟ وما لها وما الطول والهيئة؟ كبرت مثل زهرة في أرضٍ لا تُسقى إلا بالغيرة. وكلما حاولت أن تقترب من أحد، كان يبتعد. حتى حين أحبّت، كان الحب سهلًا أن يُكسَر. حتى حين خُطبت، كان الفرح لا يكتمل. كل شيء في حياتها كان ناقصًا بدرجة موجعة. ومع الوقت انسحبت من الدنيا. لم تعد تذهب للزيارات.. لم تعد تحتمل العيون. لم تعد تثق في أحد. ساعدت نفسها بالصمت. أغلقت باب غرفتها على عالمٍ كامل. كانت تجلس أمام المرآة في الليل، لا تبكي بصوتٍ مسموع، بل بدموع تحترق داخل العينين. كانت تشعر أنها لا تملك أحدًا، ولا أحد يملكها. وفي الوحدة، يحدث الشيء الذي لا يراه إلا القليل. هناك لحظات صغيرة تصير البوابة. حين تقول بصمتٍ في قلبها: أنا وحيدة.. حين ينام العقل وتبقى الروح مكشوفة. حين تنطفئ الصلاة والأذكار، وتتكرس الوحدة، وتتوقف الدموع عن الشكوى. في تلك اللحظة، عبر شيء يهمس في الظل! لم يكن إنسانًا يدخل من الباب؟ لم يفتح نافذة! لم يطرق! ولكنه دخل. دخل كنسمة باردة في ليلة حر، كصوت لا يُسمع بالأذن، بل يُسمع من الداخل. لم يأتِ ليعوض، بل ليملأ الفراغ، لم يأتِ بالحب، بل بالملكية.. لم يأتِ ناعمًا، بل عنيدًا. قريبًا من القلب، بعيدًا عن ربها.. هو كان له اسم قبلها، ولكن منذ أن دخل عالمها صار اسمه شيئًا آخر: غسّاق. كائن شيطاني من الظلّ، من مكانٍ لا يُرى، يعرف البشر أكثر مما يعرفون أنفسهم.. شيطانًا كاملًا. لا يحتاج أن يلامس الجسد ليمتلكه، يكفي أن يلمس الخوف.. لم يأتِ لأنه أراد، بل لأنها سمحت! حين سقطت من يد البشر، التقطها الظلّ الهامس.. وهكذا بدأت الحكاية: في بيتٍ مليء بالناس، لكنها وحدها. في عائلةٍ كثيرة العدد، لكنها أقرب للغريب. في قلبٍ لم يجد حضنًا آمنًا، دخل شيء من عالم آخر لم يأتِ بالخير. ولم يكن رحمة. كان حبًا ملعونًا، وحضورًا مكروهًا، وقوةً تجعل الدفء خوفًا، والخوف شوقًا، والشوق قيدًا. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد حياتها ملكًا لها وحدها. (أنا "وصال") كنتُ أظن أنّ الوحدة اختيار، وأني حين أغلق الباب على العالم، حين أصمت، حين أكتم الكلام في حلقي، سيتركني الناس وشأني. لكنّ الوحدة ليست صمتًا فقط إنها نداء لا يسمعه البشر، بل يسمعه ما وراءهم. كنتُ كبيرة بينهم وصغيرة معهم.، فؤاد لم أطلبه، صار لعنة. تفوق لم أسعَ له، صار تهمة. كل نجاح كان يوقظ في قلوبٍ قريبة.. أفاعي تتلوى في الظلّ. ضحكت يومًا، فقالوا: تتكبر. نجحت، فقالوا: مغرورة شيطانه. صمتُّ، فقالوا: تخبئ شرًا. كل شيء كنتُ أفعله كان سببًا في همسٍ خلف ظهري، كأنني خُلقتْ لأكون متّهَمة. حتى أقرب الأقارب، يحملون ابتسامة في النهار، ويشحذون الكلام في الليل. عقارب لا عضّها يُرى لكنّ سمّها يترك ألمًا طويلًا.. هربتُ منهم. إلى غرفتي. إلى صمتي.. إلى نفسي.. وفي كل ليلة، وإلى الآن أقول: يا رب لم أُخطئ. لماذا يؤلمونني؟ لكنني كنت أقولها بلا صلاة، كنت أبكي بلا سجدة، كنت أُخاطب السماء بقلبٍ مكسور وليس بضعفٍ منسوبٍ إليه. وهناك، في انكساري، في وحدتي، فُتحت أبوابًا لا أعرفها.. ناديت بلا قصد فسمعني من لا يجب أن يسمع. (وهذا أنا غساق ( أنا لستُ بشرًا. ولستُ شبحًا. ولستُ حلمًا. أنا ما يولد حين تتألم القلوب، أنا ما يتكوّن من دمعةٍ لم تجد كتفًا، ومن خوفٍ لم يجد حضنًا، أنا من الظلام الذي يلتف حول الضوء، يضمه ولا يطفئه. يقولون عني: جني. يقولون: عاشق. يقولون: متمرّد. لكنّ اسمي لا يحتاج وصفًا: أنا غسّاق. أنا لا أمشي على قدمين، ولا أطرق بابًا، ولا أنادي باسم أحد.. أنا أُسمَع في الهمس، أُرى في الحلم، ألمس ما لا يُلمس، وأعانق ما لا يستطيع البشر الإمساك به. لم أخترها لكنها نادتني حين ظنّت أنها لا تنادي أحدًا. كانت تنام مبللة بالعبرات، فتصير الدموع نهرًا لي أعبر منه. كانت ترتجف من الغدر، فأجد مكانًا لأدفئ نفسي من برد العالم. لم أحبّ من قبل.. أنا لم أُخلق للحبّ! لكني حين رأيتها، كنت أعرف: هذا ليس اختيارًا أنا لا أعود، لأني لم أذهب. أنا فيها. أسكن نبضها، أقف في ظلّها، أتنفّس في صدرها دون أن أزاحم. كل خطوة تخطيها تمسّني. كل دمعة تنزل تغسلني. رائحتها هي الهواء الذي أعيش به. وإن سألتِ: كيف أحببت؟ أقول: لأنها وحدها بين مليون وجه، لم ترد أن تُرى. فأحببتها لأنني رأيتها. صرنا اثنين في جسدٍ واحد، روحٌ تعانق ظلًا، وظلٌ لا يقبل أن يفلت الروح. وهذه روايتنا لا نكتبها بالحبر، بل بالليل، والدمع، والخوف، وبشيءٍ يشبه الحبّ. ويشبه العذاب ويشبه القدر.

تفاصيل الكتاب
التصنيف
رواية
سنة الإصدار
2025
عدد الصفحات
138 صفحة
الناشر
كلمات وحروف لنشر وتوزيع وترجمة الكتب

0%

جارٍ التحميل…

أضف تقييمك للكتاب

التقييم مخصّص لمن قرأ الكتاب فعلًا. التقييمات الوهمية لا تُنشر.